آخر تحديث :الخميس-09 يوليو 2026-08:00م

كيف تحولت "عاصفة الحزم" إلى هزيمة استراتيجية سوداء؟!

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 10:44 م

المهندس/على الطيب
بقلم: المهندس/على الطيب
- ارشيف الكاتب


لم يكن أحدا يتخيل في مارس 2015م والمنطقة تعيش على وقع مصفوفة الوعود العسكرية البراقة لـ "عاصفة الحزم"، أن ينتهي هذا المسار الإقليمي الصاخب إلى أحد أكبر فصول الفشل والهزيمة في التاريخ السياسي المعاصر.. عشر سنوات مضت على إنطلاق عاصفة الحزم، والنتيجة اليوم —في صيف 2026م— تكشف عن مشهد يفوق بمراراته وتناقضاته وبراجماتيته المفرطة كل التصورات الجيوسياسية، لم تكتفِ السعودية بالفشل في إعادة الشرعية إلى صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، بل قادت نفسها بنفسها إلى داخل مستنقع يمني معقد ومكلف، لتواجه مآلات الهزيمة الاستراتيجية بمفردها، بلا حلفاء، وبلا خطة خروج آمنة تحمي أمنها أو تحفظ ماء وجهها أمام دول وشعوب الإقليم والعالم..

ف​قراءة المشهد اليمني والإقليمي اليوم تنبئ بحقيقة اكيدة: لقد انتهت انتهت عاصفة الحزم بانتصار ساحق لجماعة الحوثي، التي خرجت من هذه المواجهة الطويلة أقوى تسليحاً وتعبئة مما كانت عليه، وأمام هذا العجز الميداني، اضطرت السعودية للاعتراف بالجماعة كسلطة أمر واقع، وسعت للجلوس معها على طاولة حوار مباشر عبر وساطة عُمانية أممية.
​وفي سبيل استجداء هذه التهدئة، قدم صانع القرار السعودي تنازلات مجانية ومذلة؛ فضحى بشركائه الإقليميين من دول الخليج، وتخلّى عن حلفائه الفاعلين على الأرض من الجنوبيين، وفرض قبول الإملاءات على حكومة الشرعية المهترئة على حساب مصالح البلاد والحكومة نفسها.

هذا التنكر التام لأهداف التحالف قاد إلى إنهاء التحالف العربي عملياً، وتفرد السعودية بالقرار، وانتهاجها سياسة الفجور في الخصومة والعداء المجاني مع دول خليجية كالإمارات وقطر وهي سياسة متهورة باتت تهدد بتفكيك منظومة مجلس التعاون الخليجي بالكامل.

لكن ​المفارقة الأكثر قسوة تجلت في الجغرافيا الجنوبية؛ فالقوات والجيش الجنوبي اللذان كانا الحليف الوفي والأقوى على الأرض، جُزي جزاء سنمار
فلإجل استجداء الحوثيين تعاملت الرياض مع الجنوبيين كمصدر تهديد لأمنها القومي، ووصل الأمر بها حد قصف قواتهم بالطائرات وسقوط مئات الشهداء، لتنتقل بعدها إلى استراتيجية ممنهجة لتشتيت وإضعاف قواهم.
​عبر بث الفرقة، وتمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي، واستخدام حرب الخدمات القمعية وحصار المرتبات،حيث تستميت السعودية في إخضاع الجنوب وتمرير اتفاق "خارطة الطريق" مع الحوثيين على حساب دماء أبناء الجنوب وثرواتهم.
وهذه السياسة لم تؤدِ إلا إلى نتيجة حتمية واحدة:وهي تكرار الفشل والهزيمة السعودية بالجنوب كما فشلت وهزمت بالشمال اضافة الى تكريس عداء تاريخي ومستدام بين الشعب الجنوبي و السعودية.

​لقد بلغ مؤشر الخضوع السعودي للحوثيين مداه حتى في الجانب الأخلاقي والإنساني؛ وتمثل ذلك في الاصرار السعودي على دفن الرئيس الشرعي السابق عبد ربه منصور هادي في الأراضي السعودية، ومصادرة حقه وحق أهله وشعبه في أن يُقبر في العاصمة المؤقتة عدن أو في محافظة أبين مسقط رأسه. فلا يوجد مبرر سياسي أو بروتوكولي واحد يجعل السعودية تمنع دفن رئيس دولة شرعي في بلاده سوى سبب واحد عارٍ من الدبلوماسية: وهو الرعب الاستراتيجي والخوف والذعر من اغضابها للحوثيين في حال وافقت على دفن الجثمان في عدن او ابين.

​ورغم كل هذا الهبوط الشنيع في مستوى الهيبة والتنازلات المذلة، جاء الرد الحوثي صادماً؛ حيث تنصلت الجماعة من اتفاق خارطة الطريق، وأعلنت إلغاء الحظر وكسر الحصار عن مطاراتها وموانئها بالقوة، وهددت العمق السعودي بالقصف الصاروخي والمسيرات، في تحدٍّ علني فجّر معادلة الرقابة برمتها، ودشن الحوثيون من خلالها هبوط أول طائرة إيرانية تابعة للحرس الثوري في مطار صنعاء جهاراً نهاراً كاسرين الحظر الجوي المتواصلمنذ عشر سنوات.

واليوم، تقف الأوضاع على حافة الانفجار العسكري الشامل، وتجد السعودية نفسها وحيدة في مواجهة مباشرة مع الترسانة الحوثية، خاضعة لشروط وإملاءات يرتفع سقف مطالبها يوماً بعد يوم.

​إن التفكيك التحليلي لأسباب هذا الانهيار الإستراتيجي يقود مباشرة إلى الداخل السعودي؛ حيث يأتي هذا الفشل المروع نتيجة لاسناد امور الدولة الى القيادات الشابة من أولاد الملك سلمان الذين تنقصهم الخبرة والحكمة والدبلوماسية في إدارة السياسة الخارجية للبلاد، حيث تم ذلك بعد إقصاء متعمد لأقاربهم من الأمراء الكبار أصحاب الكفاءة والخبرة التاريخية في التوازنات الإقليمية.

و​هذه السياسة المتخبطة والعشوائية القائمة على الباطل، والظلم، والتجبر، والاستعلاء على دول الجوار وشعوبها، بدأت مفاعيلها بالارتداد العكسي مع دول الجوار، ولن تتأخر آثارها السلبية في الانعكاس على الداخل السعودي قريباً، لتؤكد سنة الله في خلقه بأن البغي عاقبته وخيمة على أصحابه..
مستنقع الرياض الأخير:
كيف تحولت "عاصفة الحزم" إلى هزيمة استراتيجية سوداء؟!

كتب المهندس علي الطيب