آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-03:55م

طهران تستأهل زيارة؟

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 03:37 م

خير الله خير الله
بقلم: خير الله خير الله
- ارشيف الكاتب


لا ضرر من زيارة طهران. أقلّه، إذا كان المطلوب محاولة تبيان ما الذي تريده “الجمهوريّة الإسلاميّة” بالفعل وما إذا كانت راغبة في تفادي حرب جديدة في المنطقة لن تستفيد منها سوى إسرائيل. يبدأ ذلك بمعرفة ما إذا كانت إيران تسعى إلى فتح صفحة جديدة مع جيرانها بدل تهديد أمن هؤلاء من جهة، وممارسة سياسة الابتزاز بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الحوثيّين في اليمن، على سبيل المثال وليس الحصر، من جهة أخرى.

بدل القبول بوساطة إيرانيّة من النوع المضحك المبكي، مع الحوثيّين، توجّه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعوديّ إلى العاصمة الإيرانيّة مع مدير الاستخبارات في تركيا إبراهيم كالين ورئيس الأركان الباكستانيّ عاصم منير. يبدو الهدف من مهمّة الوفد الأمنيّ – العسكريّ الثلاثيّ الذي يمثّل الدول الأعضاء في اتّفاق مكّة، فهم حقيقة الموقف الإيرانيّ من التطوّرات الأخيرة في الخليج.

يأتي ذلك في وقت توجد مخاوف حقيقيّة من تجدّد الحرب بين إيران والولايات المتّحدة، وهي حرب قد تنضمّ لها إسرائيل. كذلك، يبدو الهدف من الزيارة معرفة ما الذي تريده إيران من خلال تحريكها للحوثيّين في اليمن في هذا الوقت بالذات. لا تنطلي على أحد، بما في ذلك المملكة العربيّة السعوديّة، كذبة يردّدها المسؤولون الإيرانيّون عن وجود قرار مستقلّ للحوثيّ. لا قرار آخر لدى الحوثيّين غير القرار الذي يندرج في سياق الاستراتيجية الإيرانيّة.

محاصرة تعز وتجويعها
ليس سرّاً أنّ الحوثيّين باتوا يحاصرون مدينة تعز، وهي أكبر المدن اليمنيّة وأكثرها كثافة سكّانيّة. لم يكتفِ الحوثيّون بمحاصرة تعز التي تتعرّض حاليّاً للتجويع، بل إنّهم باتوا في ميناء المخا القريب من باب المندب وفي تلال تحيط بتعز التي يمكن الانتقال منها بسهولة إلى عدن، خصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار طبيعة المنطقة الفاصلة بين تعز وعاصمة الجنوب اليمنيّ.

تكمن أهمّيّة الزيارة الثلاثيّة في أنّ السعوديّة باتت تمتلك مظلّات عدّة. صحيح أنّ دول اتّفاق مكّة لا تستهدف لعب أيّ دور هجوميّ، خصوصاً في اليمن، لكنّ الصحيح أيضاً أنّها مصرّة على لعب دور دفاعيّ في ما يخصّ الأراضي السعوديّة وحماية مكّة والمدينة المنوّرة اللتين يستهدفهما الحوثيّون مثلما يستهدفون مطارات ومواقع مدنيّة بينها مطار الملك خالد في الرياض.

تتصرّف إيران على أنّ ورقة تعز في يدها، لكنّ مثل هذه الورقة غير صالحة للاستخدام إلّا في ما يخصّ تهديد أمن دول الخليج والملاحة في البحر الأحمر. مع ما يعنيه ذلك من شبه تعطيل لحركة الملاحة في قناة السويس التي تدرّ عائدات كبيرة على مصر.

دور روسيّ للجم إيران
زار وزير الدفاع السعوديّ طهران وزار في اليوم التالي موسكو الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان والتقى الرئيس فلاديمير بوتين الذي يتشاور في هذه الأيّام مع الرئيس دونالد ترامب. لا تقتصر المشاورات بين ترامب وبوتين على أوكرانيا حيث يُظهر الرئيس الأميركيّ نوعاً من التعاطف مع روسيا، بل من الواضح أنّ ترامب مهتمّ بدور روسيّ يلجم إيران. من الواضح وجود ارتباط بين زيارة الوفد الثلاثيّ لطهران والاجتماع الروسيّ – الإيرانيّ الذي انعقد في موسكو.

يظلّ السؤال ما الذي تريده إيران التي لن يؤدّي إصرارها على استخدام أدواتها في المنطقة، أكان ذلك في العراق أو لبنان أو اليمن، إلّا إلى خدمة إسرائيل. يعود ذلك إلى أنّ رفض “الجمهوريّة الإسلاميّة” التخلّي عن مشروعها التوسّعيّ يأخذ دول المنطقة إلى مكان آخر لا تريد بمعظمها الذهاب إليه، أي التنسيق المباشر مع إسرائيل التي تحظى في الوقت الحاضر بدعم أميركيّ لا سابق له.

عدم اطمئنان خليجيّ
بقي بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة أم لم يبقَ، تشير زيارة الوفد الثلاثيّ لطهران ثمّ توجّه الرئيس الإيرانيّ إلى موسكو، للقاء الرئيس الروسيّ، إلى عدم اطمئنان خليجيّ إلى الدور الأميركيّ. لم يعد مقبولاً، خليجيّاً، هذا التقاعس الأميركيّ الذي ظهر جليّاً من خلال طريقة التصرّف مع الحوثيّين ومع الدور الإيرانيّ في اليمن. كان مستغرباً هذا التقليل الأميركيّ من أهمّيّة ما يجري في اليمن، كما لو أنّ اليمن موجود في منطقة أخرى من العالم وليس في شبه الجزيرة العربيّة. أكثر من ذلك، بدا مطلوباً أن يكون اليمن ورقة ضغط أميركيّة لدفع دول خليجيّة إلى الاستعانة بإسرائيل الموجودة في أرض الصومال والتي باتت تعدّ نفسها لدور مختلف في مجال ترتيبات الأمن الإقليميّ.

توجد دول مستعدّة لتقبل ذلك في ضوء التحوّلات الكبيرة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة. لكنّ ثمّة دولاً ما تزال تعتقد أنّ في الإمكان تفادي قبول هذا الواقع الذي تحاول إسرائيل فرضه. هل هذا ممكن من دون تعاون إيران واستيعابها أنّ كلّ ما تفعله يخدم الدور الإسرائيليّ، من حيث تدري أو لا تدري… والأرجح أنّها تدري؟!

في النهاية، سيتوقّف الكثير على ما إذا كانت “الجمهوريّة الإسلاميّة” باتت مستعدّة لأن تكون دولة طبيعيّة على علاقة جيّدة مع محيطها، بما في ذلك السعوديّة وتركيا وباكستان. لا شكّ أنّ محاولة الحصول على جواب إيرانيّ كان يستأهل زيارةً لطهران في مرحلة تُطرح فيها تساؤلات تتعلّق بمستقبل الدور الأميركيّ في المنطقة وما إذا كانت إدارة دونالد ترامب على استعداد لتحديد طبيعة هذا الدور، خصوصاً في اليمن.

لم يعد هناك استخدام إيرانيّ لليمن من أجل تهديد السعوديّة وابتزازها فحسب، بل إنّ الوجود الإيرانيّ في اليمن، مع احتدام معركة تعز والغموض الذي يكتنف الموقف الأميركيّ، بات يشكّل أيضاً تهديداً لكلّ دولة خليجيّة وصولاً إلى مصر المعنيّة ببقاء الحركة طبيعيّة في قناة السويس.

نقلاً عن أساس ميديا