آخر تحديث :السبت-03 أكتوبر 2026-11:20م

تعز.. قلعة الجمهورية التي لا تنكسر

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 10:55 م

عبدالله الشرفي
بقلم: عبدالله الشرفي
- ارشيف الكاتب


تعز ليست مجرد مدينة تخوض معركة، ولا محافظة أضيفت إلى خارطة المواجهات في اليمن؛ تعز قصة وطن كاملة، وقلعة جمهورية دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن الحرية والدولة والهوية الوطنية.

هي المدينة التي تختصر اليمن بتنوعها وحضور أبنائها وعلمائها ومثقفيها وتجارها وطاقتها البشرية الهائلة. ومنها مرّ كثير من رجال الحركة الوطنية، وفي ذاكرتها تتقاطع تضحيات اليمنيين من أجل ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر.

واليوم تعود تعز إلى واجهة المواجهة، لا لأنها غابت يومًا عنها، ولكن لأن الهجمات الحوثية اتسعت على أكثر من محور، من غرب المحافظة وجنوبها إلى الجبهات المحيطة بالمدينة. وفي المقابل، يقف الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وأبناء المناطق في مواجهة هذه الهجمات، في معركة تختلف في طبيعتها عن كثير من جبهات اليمن.

تعز ليست جبهة واحدة.

هذه الحقيقة مهمة لفهم ما يجري على الأرض.

الجغرافيا التعزية المعقدة، بما فيها من جبال وهضاب ووديان وقرى وطرق متشابكة، جعلت المواجهة موزعة على عدد كبير من المحاور. من مقبنة وجبل حبشي والكدحة غربًا، إلى سامع والأقروض وحيفان جنوبًا وشرقًا، وصولًا إلى الجبهات المحيطة بمدينة تعز؛ تتعدد ساحات الاشتباك، وتتغير طبيعة المواجهة من منطقة إلى أخرى.

ولهذا فإن قراءة معركة تعز من خلال خبر عاجل عن قرية هنا أو موقع هناك قد تكون قراءة ناقصة. إنها معركة واسعة ومتحركة، فيها كر وفر وضغط ومحاولات تسلل وهجمات متزامنة، وما يحدد مسارها ليس خبرًا منفردًا، بل قدرة القوات المدافعة عن المحافظة على الصمود والمحافظة على خطوطها وإمداداتها ومنع تحقيق اختراق استراتيجي.

وفي الأيام الأخيرة أعلنت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية صد سلسلة من الهجمات الحوثية على عدد من المحاور، في مشهد يعكس حجم المواجهة التي تخوضها تعز واتساع جبهاتها.

من الساحل إلى الجبال

ولا يمكن فصل ما يحدث اليوم في تعز عن التطورات التي شهدها الساحل الغربي وباب المندب.

فتعز بموقعها ليست جزيرة معزولة عن محيطها، وإنما عقدة جغرافية تصل المرتفعات بالساحل، وتربط طرقًا حيوية تمتد باتجاه لحج وعدن. ولهذا تكتسب المعارك في مناطق مثل حيفان والأقروض والأحكوم ومقبنة أهمية تتجاوز حدود القرية أو الجبل الذي تدور حوله المواجهة.

إنها معركة على الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد بقدر ما هي معركة على المواقع العسكرية.

وهنا تظهر قيمة المقاومة المحلية؛ فابن القرية يعرف جبالها ومسالكها ووديانها، ويعرف أن الدفاع عن منطقته ليس مجرد الدفاع عن منزل أو أرض، وإنما عن الطريق الذي يصل تعز ببقية الوطن، وعن جبهة إذا صمدت أسهمت في حماية مساحة أوسع بكثير من حدودها الجغرافية.

ورغم ما تعانيه بعض المواقع من احتياجات ونقص في الإمكانات، فإن استمرار المقاومة والجيش الوطني في التصدي للهجمات يحمل دلالة مهمة: أن تعز ما زالت قادرة على الدفاع عن نفسها، وأن أبناءها ينظرون إلى المواجهة باعتبارها امتدادًا لمعركة الجمهورية والدولة.

تعز تعرف معنى هذه المعركة

تعز دفعت خلال سنوات الحرب أثمانًا ثقيلة، ولذلك يعرف أبناؤها جيدًا أن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بالسيطرة على تل أو قرية أو موقع عسكري.

المعركة بالنسبة لتعز مرتبطة بمستقبل المحافظة، وبطرقها واتصالها بالمناطق الأخرى، وبموقعها في معادلة اليمن السياسية والعسكرية، وبالدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة مشروع الحوثيين.

ولهذا فإن الجندي المرابط في المتراس، والمقاوم المدافع عن قريته، والمواطن الذي يساند الجبهة، جميعهم جزء من مشهد أكبر من حدود تعز نفسها.

إنها معركة وطن.

المعركة الأخرى.. الشائعة

وبالتوازي مع المواجهة على الأرض، تنشط الحرب الإعلامية والشائعات؛ فتُضخ أخبار غير موثقة عن سقوط قرى ومواقع وانسحاب قوات بهدف إرباك الجبهة الداخلية وضرب معنويات المقاتلين وحاضنتهم الشعبية. وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة: لا انتصارات وهمية ولا هزائم تصنعها الشائعات؛ الميدان تؤخذ أخباره من مصادره الموثوقة، لا من مطابخ الدعاية وحسابات التواصل المجهولة.

قلعة الجمهورية

تعز ليست مدينة طارئة على تاريخ الجمهورية.

إنها واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بالحركة الوطنية والتعليم والثقافة والتجارة، وقدمت رجالًا ودماءً في محطات مفصلية من تاريخ اليمن.

واليوم يكتب أبناؤها فصلًا جديدًا من هذه الحكاية.

قد تكون المعركة قاسية، وقد تطول، وقد تتغير خرائط صغيرة هنا وهناك، فهذه طبيعة الحروب، لكن الحقيقة الأكبر التي أثبتتها تعز خلال سنوات المواجهة هي أن المدينة تمتلك مخزونًا بشريًا وإرادة اجتماعية يصعب تجاوزهما.

تعز اليوم لا تدافع عن حدود محافظة فقط.

إنها تدافع عن الجمهورية، وعن حق اليمنيين في دولة ومؤسسات، وعن طريق ينبغي أن يبقى مفتوحًا بين اليمنيين لا أن يتحول إلى خطوط حصار وجبهات حرب.

ولهذا فإن واجب اللحظة هو إسناد الجيش الوطني والمقاومة، وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وتوفير احتياجات المقاتلين، وحماية المجتمع من الشائعة والمعلومة المضللة.

المقاتل يحمي الأرض في المتراس، والصحفي يحمي الحقيقة، والمواطن يحمي الجبهة حين يرفض أن يكون ناقلًا للشائعة.

ومن تعز، مرة أخرى، تأتي الرسالة واضحة:

قد تشتد الهجمات وتتعدد الجبهات، لكن قلعة الجمهورية ما زالت تقاتل، وما زالت تقول إن اليمن الجمهوري أكبر من أن يُختصر في مشروع جماعة، وإن الأرض التي أنجبت رجال سبتمبر وأكتوبر تعرف جيدًا كيف تدافع عن جمهوريتها.