آخر تحديث :السبت-25 أبريل 2026-11:53ص

المنطقة بين هدنة مؤقتة... وانفجار مؤجل

السبت - 25 أبريل 2026 - الساعة 11:13 ص

خالد باطرفي
بقلم: خالد باطرفي
- ارشيف الكاتب


بينما تتصاعد ألسنة النار في الميدان، وتزداد حرارة المواجهات العسكرية في الخليج ومضيق هرمز، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليعلن عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، في خطوة تعكس إدراك واشنطن لحساسية اللحظة، وخطورة انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة لا يمكن احتواء تداعياتها بسهولة.

هذا الإعلان، رغم ما يحمله من بارقة أمل، لا يمكن قراءته بوصفه انفراجة دبلوماسية مكتملة، بقدر ما يبدو محاولة أخيرة لتجنب الانفجار الكبير. فالإدارة الأمريكية تمارس أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن إغلاق باب التفاوض نهائيًا قد يدفع طهران إلى خيارات أكثر تصعيدًا، خصوصًا مع استخدام إيران أوراقًا حساسة تمس أمن الملاحة والطاقة العالميتين.

المشهد الراهن يوحي بأننا أمام “تفاوض تحت النار”، حيث لا سلام ناضجًا في الأفق، ولا قرارًا نهائيًا بالحرب. فواشنطن تمدد التهدئة لتختبر مدى قدرة طهران على تقديم تنازلات حقيقية، فيما تحاول إيران رفع سقفها التفاوضي عبر الضغط الميداني، وخلق وقائع جديدة في البحر وعلى الأرض.

وفي هذا السياق، برز الدور الباكستاني كعامل تهدئة محتمل، بعد الحديث عن وساطة إسلام آباد لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وتمتلك باكستان بالفعل عناصر تؤهلها لهذا الدور؛ فهي دولة ترتبط بعلاقات مع واشنطن، وتحافظ في الوقت ذاته على قنوات مفتوحة مع طهران، فضلًا عن أن استقرار المنطقة يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لها. لكن قدرة باكستان، أو أي وسيط آخر، تبقى محدودة إذا ظل القرار الإيراني نفسه منقسمًا ومترددًا.

وهنا تكمن العقدة الحقيقية. فالتقارير الغربية، ومنها ما نشره موقع أكسيوس، تشير إلى أن التعثر لا يرتبط فقط بشروط الاتفاق، بل بصراع داخل مراكز القرار في إيران. هناك جناح براغماتي يرى أن المصلحة تقتضي احتواء الأزمة، وجناح عقائدي تقوده المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، يرى أن التنازل الآن سيُفهم بوصفه هزيمة سياسية وعسكرية.

هذا الانقسام الداخلي يجعل واشنطن أمام معضلة: مع من تفاوض فعليًا؟ الحكومة؟ أم الحرس؟ أم أن القرار النهائي يبقى مرهونًا بموقف المرشد الأعلى؟ ولهذا فإن أي اتفاق محتمل سيظل هشًا ما لم يكن مدعومًا بإجماع داخلي إيراني واضح.

وفي المقابل، تبدو طهران وكأنها تستخدم “ورقة الملاحة” للضغط على واشنطن وحلفائها، من خلال احتجاز أو تهديد السفن في مضيق هرمز، بما يبعث برسالة مفادها أن استمرار الحصار البحري والاقتصادي لن يمر دون كلفة. غير أن هذه الورقة، رغم تأثيرها، تحمل مخاطر كبيرة؛ لأنها قد تدفع المجتمع الدولي إلى الاصطفاف ضد إيران باعتبارها تهدد أمن التجارة والطاقة العالميتين.

ومن هنا جاءت التحذيرات الصينية الأخيرة من أن المنطقة تقف بين السلم والحرب. فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة من الخليج، معنية مباشرة بمنع الانفجار، ولديها أدوات اقتصادية ودبلوماسية للتهدئة، لكنها لا تملك حتى الآن أدوات “الضامن الأمني” القادر على فرض اتفاق أو منع مواجهة عسكرية إذا قررت واشنطن أو طهران الذهاب بعيدًا.

إذا فشلت الجولة المرتقبة من المفاوضات، فإن السيناريو الأرجح خلال الأيام المقبلة لن يكون حربًا شاملة مباشرة، بل تصعيدًا تدريجيًا سريعًا يبدأ بمزيد من التوتر في هرمز، وارتفاع أسعار النفط وكلفة التأمين البحري، ثم تشديد أمريكي للحصار والردع العسكري، وربما عمليات محدودة أو عبر الوكلاء لتعديل موازين التفاوض.

لكن الخطر الحقيقي يبقى في “الخطأ القاتل”؛ صاروخ يخطئ هدفه، أو سفينة تُغرق، أو عملية تُفسَّر باعتبارها إعلان حرب. حينها قد تنتقل المنطقة من إدارة الأزمة إلى الانفجار الكامل خلال ساعات.

الشرق الأوسط اليوم لا يعيش لحظة سلام، ولا حربًا محسومة، بل يعيش أخطر المراحل: مرحلة الهدنة المؤقتة والانفجار المؤجل. وفي مثل هذه اللحظات، قد تصنع جولة تفاوض واحدة فارقًا تاريخيًا... أو تؤجل فقط المواجهة القادمة.

نقلا عن "المدينة"