آخر تحديث :الإثنين-16 مارس 2026-01:58ص

محليات


أمزربه:ميناء عدن.. شريان النصر وعصب الصمود في ملحمة 27 رمضان

أمزربه:ميناء عدن.. شريان النصر وعصب الصمود في ملحمة 27 رمضان

الإثنين - 16 مارس 2026 - 01:18 ص بتوقيت عدن

- مراقبون برس-خاص

كتب رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن الدكتور محمد امزربه مقالا هاما بعنوان :(ميناء عدن.. شريان النصر وعصب الصمود في ملحمة 27 رمضان) ..
مراقبون برس ينشر نص مقال الدكتور أمزربه في الاتي:

يمثل تاريخ 27 رمضان في الذاكرة الوطنية اليمنية أكثر من مجرد ذكرى عابرة؛ إنه يوم انبعاث مدينة عدن، وإعلان انكسار المشروع الكهنوتي على أسوارها. وفي صلب هذه الملحمة الخالدة، يبرز ميناء عدن بطلاً محورياً لم يكتفِ بدوره الاقتصادي، بل كان القلب النابض الذي ضخ دماء الحياة في عروق المدينة والمقاومة على حد سواء.
لقد أسهم الميناء بفاعلية في دعم صمود المقاومة وتحقيق النصر، متحولاً — ببحارته الشجعان، وعماله المخلصين، وقطعه البحرية — من منشأة مدنية إلى قاعدة عمليات عسكرية ولوجستية متكاملة، وجبهة إسناد متقدمة وفّرت "رئة" التنفس الوحيدة لمدينة خنقها الحصار البري من كل اتجاه.
هندسة النصر: 45 يوماً من الصمود والجسور البحرية
لم يكن الميناء خلال الحرب مرفقاً خدمياً فحسب، بل شكّل الظهير الاستراتيجي الذي استندت إليه المقاومة. وقد أدركنا في إدارة الميناء منذ اللحظة الأولى أن بقاء الميناء فاعلاً يعني بقاء عدن صامدة، فسخرنا كل الإمكانيات الفنية والبشرية لتكون تحت تصرف القيادة الميدانية.
• يوم سقوط التواهي والوصية الخالدة
في لحظات فارقة امتزجت فيها المسؤولية بروح التضحية، جرى تنسيق مباشر عكس حجم الثقة بين القيادة العسكرية وإدارة الميناء. وأسهم الميناء في دعم المقاومة بقيادة اللواء الشهيد علي ناصر هادي والقائد أنيس العولي.
وأستذكر بفخر اتصالاً تلقّيته من الشهيد اللواء علي ناصر هادي عبر هاتف الأخ نشوان العوذلي، وكان ذلك آخر تواصل بيننا، قبل استشهاده بنحو 24 ساعة، في يوم سقوط التواهي. طلب الشهيد بصورة عاجلة توفير رافعة (كرين) تابعة للميناء لنقل وتركيب صبيات خرسانية ضخمة لاستخدامها كحواجز دفاعية لسد مداخل التواهي ومنع توغل آليات المليشيات.
ورغم عرض فرصة الانسحاب عليه نظراً لخطورة الموقع، رفض بإباء، مصراً على البقاء في خط النار الأول حتى نال الشهادة مقبلاً غير مدبر.
• ملحمة الإجلاء الكبرى وفداء "دكة الـ T"
في السادس من مايو 2015 تحوّل الميناء إلى وسيلة الإنقاذ الوحيدة للمدنيين. وفي جريمة حرب بشعة، قصفت المليشيات الحوثية "دكة الـ T" بالدائرة البحرية، مستهدفة مئات العائلات والنازحين المنتظرين لقوارب النجاة.
ورغم هول المشهد، واصل بحارة الميناء عمليات الإجلاء البطولية، مسخرين الزوارق واللانشات لنقل آلاف المدنيين من ساحل التواهي إلى البريقة، في واحدة من أنبل ملاحم الفداء الإنساني.
• شريان الحياة تحت الحصار
خلال حصار التواهي الذي استمر 45 يوماً، سطر الميناء ملحمة إنسانية نادرة. فمع انقطاع الطرق البرية بالكامل، سخرت إدارة الميناء القاطرات البحرية "التيجان" لنقل الغذاء والدقيق والغاز والمساعدات الطبية من البريقة إلى المناطق المحاصرة، بما ضمن استمرار صمود السكان.
• إمداد الجبهات والمستشفيات
دعمت إدارة الميناء المستشفيات والمراكز الطبية في التواهي بمادة الديزل لضمان استمرار غرف العمليات. وفي المنصورة، جرى دعم المقاومة بقيادة الشهيد الإدريسي بصهاريج الوقود لتعزيز حركة الآليات العسكرية.
كما نفذ بحارة الميناء عمليات نوعية بنقل دبابتين وآليات ثقيلة بحراً من البريقة إلى التواهي، في تنسيق فني وعسكري جسّد تكامل الأدوار بين الجبهة المدنية والميدانية.
شجاعة فنية: الميناء كورشة صمود
في مشهد يعكس الانضباط المهني العالي، أدار عمال الميناء عمليات إجلاء معقدة لرعايا دول وجاليات أجنبية بسلام تام. وعلى الصعيد الداخلي، فُتحت الورش الفنية لصيانة أسلحة المقاومة من مدافع ومدرعات وإعادتها سريعاً إلى مواقع القتال، رغم انقطاع الكهرباء وشح الإمكانيات.
وكان المدفع عيار 23 الذي خضع للصيانة في ورش التواهي شاهداً على هذا الدور التقني الحاسم.
حراس البوابة الاقتصادية: ملحمة الصمود في "كالتكس"
في محطة حاويات ميناء عدن (كالتكس) بالمنطقة الشمالية، سطر عمال وموظفو الميناء ملحمة استثنائية في النزاهة والشجاعة المهنية. فبينما كانت نيران الحرب تحيط بالمكان، وقفوا كدروع بشرية لحماية أصول الميناء السيادية وحاويات التجار التي تضم المخزون الغذائي والدوائي للمدينة.
ورغم وقوع المنطقة تحت مرمى قناصة المليشيات، رفض العمال مغادرة مواقعهم، معتبرين أن حماية قوت المواطن جزء من معركة الكرامة الوطنية. ولم تمتد يد العبث إلى حاوية واحدة، بل عملوا على تسهيل وتسليم الحاويات للتجار دون مقابل، لضمان وصول المواد الأساسية إلى الأسواق وتعزيز صمود المدينة.
وتجسدت أسمى صور التضحية في قصة الشهيد البطل "دنبع"، الذي ارتقى شهيداً في ساحة المحطة أثناء أداء واجبه، ليصبح رمزاً للنزاهة التي لم تنكسر أمام آلة الحرب.
عبقرية الاستباق وعملية "الغدير" الفدائية
في خطوة استباقية لحماية أصول الدولة، نفذ العمال والملاحون عملية فدائية تحت القصف العنيف، جرى خلالها سحب القاطرات والقطع البحرية من ميناء الزيت إلى ساحل الغدير لحمايتها من التدمير أو الاستيلاء.
وبفضل هذه الخطوة، وعند إعلان التحرير في 27 رمضان، كانت تلك القطع البحرية نفسها هي التي استقبلت أول باخرة إغاثة "درب الخير" التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ليعود الميناء فوراً إلى أداء دوره الإنساني والوطني.
وقفة وفاء واعتذار
وفي استحضار هذه البطولات، أجد لزاماً عليّ أن أقدم اعتذاراً لكل أبطال الميناء والمقاومة الذين لم يتسع المجال لذكر أسمائهم. فذكر بعض المواقف لا يعني حصر البطولة، بل هم رموز لآلاف العمال والمدراء والمرشدين والبحارة والمهندسين والمقاومين الذين قدموا الغالي والنفيس بعيداً عن الأضواء.
المجد الحقيقي لكل يدٍ سمراء سهرت وقاومت وأسهمت بصمت في صناعة نصر عدن.
خاتمة
ستظل ذكرى الشهيد علي ناصر هادي، وبطولات المقاومة، ومأساة "دكة الـ T"، وتضحيات رجال ميناء عدن منقوشة في وجدان التاريخ. إنها وثيقة شرف كتبها عمال الميناء بدمائهم وعرقهم، مؤكدة أن عدن عصية على الانكسار ما دام نبض مينائها مستمراً.