آخر تحديث :الخميس-22 أكتوبر 2026-12:02ص

مرضى عدن يبحثون عن الأمان العلاجي.. وآلاف الدولارات تُنفق على أمراض مزمنة تحتاج إلى رقابة وضمير مهني

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 12:02 ص

عبدالناصر قايد
بقلم: عبدالناصر قايد
- ارشيف الكاتب


لم يعد السفر للعلاج خارج الوطن بالنسبة لكثير من اليمنيين خيارًا ترفيهيًا، بل أصبح ملاذًا اضطراريًا بحثًا عن الأمان العلاجي، في ظل تراجع الثقة بالخدمات الصحية المحلية. ففي عدن، يضطر مرضى إلى إنفاق آلاف الدولارات على السفر والإقامة والفحوصات، رغم أن كثيرًا من حالاتهم يمكن تشخيصها ومتابعتها محليًا، لو توافرت منظومة طبية موثوقة ورقابة مهنية فاعلة.

وتتداول تقديرات عن سفر ما بين 500 و600 ألف يمني سنويًا للعلاج في الخارج، خصوصًا إلى مصر والأردن والهند، وهي أرقام تحتاج إلى توثيق رسمي. لكن المؤكد أن هذه الظاهرة تستنزف مدخرات الأسر، وتدفع بعضها إلى الاستدانة أو بيع ممتلكاتها بحثًا عن علاج آمن.

ولا تكمن المشكلة في غياب الكفاءات الطبية اليمنية، بل في اختلالات المنظومة الصحية، من تضارب التشخيصات وارتفاع أسعار الخدمات الخاصة، إلى ضعف الرقابة على المختبرات والأدوية، ومخاطر انقطاع الكهرباء على الأدوية الحساسة التي تتطلب تبريدًا مستمرًا.

ورغم الدور الإنساني المهم الذي تؤديه منظمات دولية، بينها أطباء بلا حدود، فإن تدخلاتها لا تعفي الجهات الصحية من مسؤوليتها عن إصلاح القطاع واستعادة ثقة المواطنين.

الأمراض المزمنة.. بين وهم الشفاء وحقيقة العلاج

يزداد الأمر تعقيدًا مع ضعف الوعي بطبيعة الأمراض المزمنة، كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب ومضاعفات الجلطات، إذ يعتقد بعض المرضى أن السفر للخارج سيمنحهم شفاءً نهائيًا.

والحقيقة أن كثيرًا من هذه الأمراض يحتاج إلى متابعة منتظمة وعلاج مستمر وضبط الجرعات، وليس إلى رحلات علاجية متكررة، ما دامت الخدمات المطلوبة متوافرة محليًا بجودة وأمان. أما الحالات التي تستدعي تدخلات تخصصية غير متاحة، فالسفر لعلاجها يظل ضرورة مشروعة.

التعليم الطبي المستمر.. ضرورة لا تحتمل التأجيل

ومن أبرز متطلبات الإصلاح تفعيل نظام التعليم الطبي المستمر (CME)، الذي يضمن تحديث معارف الأطباء ومهاراتهم وفق أحدث التطورات والبروتوكولات العلاجية.

ورغم وجود أنشطة تدريبية في جامعة عدن وبعض المؤسسات الطبية، يبقى السؤال: هل يرتبط تجديد تراخيص مزاولة المهنة باستكمال ساعات تعليمية معتمدة وتقييم دوري للكفاءة المهنية؟

إن ممارسة الطب لا ينبغي أن تعتمد على شهادة جامعية حصل عليها الطبيب قبل سنوات، دون مواكبة المستجدات العلمية. ومن هنا تبرز أهمية اعتماد نظام إلزامي للتعليم الطبي المستمر، بإشراف وزارة الصحة والمجلس الطبي والجهات المختصة.

إصلاح يبدأ بالرقابة والمساءلة

إن استعادة ثقة المرضى تتطلب إجراءات عملية، أبرزها ربط تجديد التراخيص بالتأهيل المستمر، وتشديد الرقابة على المستشفيات والمختبرات والصيدليات، وضمان سلامة الأدوية وسلاسل تبريدها، وإقرار ضوابط عادلة وشفافة لأسعار المعاينات والفحوصات.

كما تستدعي الضرورة إطلاق حملات توعية بالأمراض المزمنة، وتفعيل آليات استقبال شكاوى المرضى ومحاسبة المخالفين، مع حماية حقوق الأطباء والمرضى على السواء.

إن المطلوب ليس منع المرضى من السفر للعلاج، بل إزالة الأسباب التي تدفعهم إليه اضطرارًا.

وعدن، بتاريخها الطبي وكفاءاتها المؤهلة، قادرة على استعادة ثقة المرضى متى توافرت الإرادة والرقابة الجادة.

فالرسالة إلى وزارة الصحة والمجلس الطبي واضحة: أعيدوا الثقة إلى المريض قبل مطالبته بالعلاج في وطنه؛ فالأمان العلاجي لا تصنعه المباني الفاخرة ولا الإعلانات التجارية، وإنما تصنعه الكفاءة الطبية والرقابة الصارمة والضمير المهني الحي.