آخر تحديث :الإثنين-28 سبتمبر 2026-11:45م

أميركا وإيران.. المضايق والعوائق

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 12:19 م

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم: عبدالله بن بجاد العتيبي
- ارشيف الكاتب


كيف يمكن التعامل مع مرحلة ما بعد النظام الإيراني؟ نهاية النظام الإيراني ستُكتب بيدي قادته، عبر تهديداتهم الصاخبة ومن خلال تحريك عملائهم العشوائي في المنطقة بشكل غير مسبوقٍ، إنهم يجرّبون «حزب الله» اللبناني فيجدونه مبتوراً، ويجرّبون حركة «حماس» فيجدونها معاقةً، فيعيدون تجريب المجرّب بتحريك ميليشيات العراق واليمن.
من دون الحرب الأخيرة بين أميركا وإيران، فإن منطقة الشرق الأوسط ظلّت لعقودٍ من الزمن تخلق أسئلةً أكثر مما تقدم إجاباتٍ، وخلق الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات مفيدٌ في العلم والمعرفة، ولكنه بنفس القدر مضرٌ في السياسة والحكم، لأنه يتعلق بمصائر المجتمعات والشعوب والأمم، ويعطّل الدول الساعية للنهوض والمنافسة على التقدم والرقي.
حرب أميركا وإيران الحالية لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تبقى معلّقةً ومفتوحةً على التطورات، سلبةً كانت أم إيجابيةً، لأنها تتعلق بمنطقةٍ بالغة الحيوية والتأثير على العالم بأسره، فمضايقها في «هرمز» و«باب المندب» و«قناة السويس» تتحكم في ثُلث التجارة العالمية تقريباً، وهذه المضايق حين تضيق بفعل العوامل الجيوسياسية تضيق تجارةُ العالم وتتأثر اقتصاداتُه، كبيرها قبل صغيرها.
قادة العالم يعرفون بعضهم بعضاً، ولا أدلّ على هذا من معرفة الرئيس بوتين بالرؤساء الأميركيين الذين عاصرهم ومعرفتهم به، وكذلك معرفة الرئيس الأميركي ترامب بالرئيس الصيني شي. وهذه المعرفة والتفاهمات التي تُبنى عليها بين الدول تَسمح دائماً بتجسير الهوة، وتنظيم الخلاف، وترتيب المستقبل. وهكذا تعوّد العالم منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تعلَّم الجميعُ أن السياسةَ قادرةٌ دائماً على حلّ كل المعضلات والمشكلات وإزالة العوائق بنجاحٍ.
هذه النجاحات المتوالية لعقودٍ باتت مهددةً من جهتين: الأولى، هي التفاهة الممنهجة، والتي ما فتئنا نتحدث عنها لأكثر من عقدٍ من الزمان، وقد بدأت مظاهرها تكشف عن نفسها تباعاً في صراعات إقليمية ودولية، وفي قيادة التأثير، سواء عبر ظاهرة «الخلايا الإلكترونية» أو ما يسميه البعض «الذباب الإلكتروني».
والجهة الثانية هي السعي الأميركي الحادّ نحو إعادة صياغة النظام الدولي بشكلٍ يتفق مع المصالح الحالية للولايات المتحدة الأميركية نفسها، ولكنه لا يمكن أن يضمن الاستمرارية والثبات في نظامٍ دوليٍ كان على مدى قرونٍ عرضةً للتقلب والتغير والتبدل، وهو أمرٌ شاقٌ ولا يمكن التنبؤ بمآلاته مع كل ما يلزم لتحديدها من فلسفاتٍ ونظريات، ومناهج وبرامج، وقوانين وأنظمةٍ، وكل ما يتبع ذلك من تفاصيل لا تُعَد ولا تُحصى.
ستنتهي الحرب الأميركية الإيرانية، قريباً كان ذلك أم بعيداً، وبغضّ النظر عن السيناريوهات التي ستنتهي بها، فإنها ستنتهي كما انتهت غيرها من الحروب الكبرى والصغرى. وتفكير الدول المعنية بهذه الحرب، القريبة منها والمتأثرة بها، يجب أن يكون أضعاف أضعاف تفكير الدول الكبرى واتفاقاتها حولها، لأن آثارها يمكن أن تكون مشجعةً على مستقبلٍ أفضل ويمكن أن تكون كارثيةً.
المضايق البحرية حقيقةٌ جغرافيةٌ ثابتةٌ، بينما العوائق السياسية ليست كذلك، ومحاولات اعتقال الجغرافيا عبر اعتقال المضايق محاولةٌ محكومٌ عليها بالفشل قبل أن تبدأ، وبالعكس تماماً فإن خلق العوائق السياسية سهلٌ وميسورٌ ولا يكلف كبير تعبٍ ولا عناء تفكيرٍ. والعاقل هو مَن يختار التعاملَ بواقعية شديدةٍ مع حقيقة المضايق ونسبية العوائق، ويوائم بين هذه وتلك في لحظات التاريخ الصعبة والمتقلبة كالتي تعيشها منطقتنا في هذه المرحلة المهمة من تاريخها.
وأخيراً، فالتقلبات السياسية، العقلانية منها وغير العقلانية في منطقتنا كثيرةٌ، وهذه هي عادة التاريخ ودرسه، فالثابت في السياسة هو التغير، والسؤال الذي يجب أن يبقى معلّقاً: هل ينتصر منطق التاريخ أم تقلبات السياسة؟


نقلاً عن "الاتحاد"