آخر تحديث :الأربعاء-07 أكتوبر 2026-04:08ص

لماذا يفشل اليمنيون في تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية؟

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 11:17 ص

معين محمد اليزيدي
بقلم: معين محمد اليزيدي
- ارشيف الكاتب


في اليمن، كثيرًا ما تُربح المعركة ويُخسر ما بعدها. تتقدم قوة عسكريًا، تسيطر على مدينة، تستعيد موقعًا، تفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا أو تنجح في إرباك خصمها، ثم تبدأ المفارقة: يتحول الانتصار العسكري إلى ورقة تفاوضية في يد الآخرين، بينما يعود أصحاب الانتصار إلى نقطة الصفر سياسيًا.

وهنا لا تكمن المشكلة في ضعف المقاتل اليمني، بقدر ما تكمن في الطريقة التي تُدار بها نتائج القوة العسكرية. فبينما يتعامل كثير من اليمنيين مع الحرب باعتبارها غاية بحد ذاتها، يتعامل الآخرون معها باعتبارها أداة لإنتاج السياسة وإعادة ترتيب النفوذ. وهذه هي المسافة الفاصلة بين من يربح معركة ومن يعرف كيف يربح ما بعدها.

الانتصار العسكري ليس مكسبًا سياسيًا تلقائيًا

السياسة لا تكافئ من يسيطر على الأرض لمجرد أنه سيطر عليها. فالقوة العسكرية تستطيع أن تنتج وقائع جديدة، لكنها لا تنتج وحدها شرعية سياسية، ولا مؤسسات مستقرة، ولا اعترافًا دوليًا، ولا تسوية دائمة، ولا توزيعًا مستدامًا للسلطة والثروة.

ولهذا فإن قيمة أي انتصار عسكري لا تقاس فقط بحجم الأرض التي تم الاستيلاء عليها أو الخصم الذي تم إضعافه، وإنما بقدرة المنتصر على تحويل ذلك الواقع إلى ترتيبات سياسية وقانونية ومؤسسية قابلة للاستمرار.

وقد حذرت الأمم المتحدة خلال 2026 من هشاشة المكاسب في ظل استمرار الانقسامات وتعدد خطوط الصراع، وشددت على أن التسوية السياسية الشاملة تظل الطريق الضروري لمنع تجدد الحرب. وهذه الحقيقة تختصر جانبًا كبيرًا من المأساة اليمنية: ما يُنتزع بالسلاح يمكن أن يُنتزع سياسيًا إذا لم يتحول إلى مؤسسة واتفاق وشرعية ومصلحة قابلة للحماية.

اليمنيون يخوضون حروبًا متعددة بأهداف متناقضة

أحد أسباب المأزق أن كلمة �اليمنيين� نفسها أصبحت شديدة التعقيد. فعندما نتحدث عن الفاعلين في الحرب، فنحن أمام الحوثيين، والحكومة، والمجلس الانتقالي، والقوى العسكرية المحلية، والأحزاب، والقبائل، والمكونات الجنوبية، والنخب الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من مراكز القوة التي تختلف أهدافها وحساباتها.

قد يحقق أحد هذه الأطراف انتصارًا عسكريًا على خصم يمني، لكنه يعجز عن تحويله إلى مكسب وطني، لأنه لا يمتلك مشروعًا سياسيًا جامعًا لما بعد الانتصار. وهكذا تتحول المعركة تدريجيًا من وسيلة لإعادة بناء الدولة إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة.

وهنا تكمن المفارقة الأشد إيلامًا: اليمنيون لا يخسرون دائمًا لأنهم أضعف عسكريًا، وإنما لأنهم غالبًا لا يتفقون على ماذا يريدون أن يفعلوا بانتصارهم عندما يتحقق.

من يملك البندقية لا يملك بالضرورة طاولة التفاوض

هذه قاعدة سياسية يغفل عنها كثيرون. قد تمتلك قوة عسكرية قادرة على تغيير ميزان الميدان، لكنك تحتاج بعد ذلك إلى مشروع سياسي واضح، وقيادة تفاوضية موحدة، وخطاب قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، ومؤسسات قادرة على تنفيذ الاتفاق، وعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، وأوراق اقتصادية، وشرعية قانونية وشعبية، والأهم قدرة على تقديم تنازلات محسوبة دون خسارة الهدف الأساسي.

من لا يمتلك هذه الأدوات يذهب إلى التفاوض وهو يحمل بندقيته فقط. والبندقية تستطيع فرض لحظة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة مستقبل.

المشكلة الأخطر أن الانتصار يُستهلك من الداخل

بدل أن يتحول الانتصار العسكري إلى مشروع سياسي، يبدأ المنتصر أحيانًا في استهلاكه داخل معسكره نفسه. تبدأ الخلافات على القيادة والمناصب والموارد والتمثيل والسيطرة على القوات ومن يملك حق التفاوض ومن يحصل على الاعتراف.

وهكذا تتحول الطاقة التي أنتجها الانتصار إلى صراع داخلي بين المنتصرين، فتظهر أمام اللاعب الخارجي قوة عسكرية حققت تقدمًا ميدانيًا، لكنها منقسمة سياسيًا. عندها يصبح من السهل فتح قنوات منفصلة مع أطرافها، وإعادة توزيع الدعم، وصناعة توازنات جديدة.

وفي هذه اللحظة تحديدًا قد تتحول القوة التي كان يفترض أن تكون ورقة تفاوضية إلى ورقة مساومة على أصحابها.

الخارج لا يتعامل دائمًا مع اليمن بوصفه دولة واحدة

القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى اليمن أيضًا من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، بما في ذلك أمن الملاحة والموانئ والطاقة والنفوذ الإقليمي. لكن المشكلة ليست في وجود مصالح خارجية بحد ذاته؛ فكل دولة تتعامل مع محيطها وفق مصالحها.

المشكلة تبدأ عندما يجد الخارج أمامه أطرافًا يمنية متعددة، لكل منها مشروعها وحساباتها وقنواتها الخاصة.

عندها لا يحتاج الخارج إلى صناعة الانقسام من الصفر. يكفيه أن يدير الانقسام الموجود أصلًا.

وحين يذهب اليمنيون إلى الخارج بمشاريع متنافسة، يصبح من الصعب إنتاج قرار وطني مستقل، لأن كل طرف يبحث عن ضمانات لمكاسبه من جهة مختلفة، فيتحول الدعم الخارجي تدريجيًا من وسيلة مساعدة إلى عنصر مؤثر في صياغة القرار نفسه.

الدرس الذي لم نتعلمه

منذ أكثر من عقد، تتغير خرائط السيطرة، وتتشكل تحالفات ثم تنهار، وتُفتح جبهات وتُغلق أخرى، لكن السؤال الأساسي لا يتغير: ماذا حدث بعد كل انتصار؟

لماذا لم تتحول السيطرة العسكرية إلى مؤسسات مستقرة؟ ولماذا لم تتحول التحالفات العسكرية إلى مشروع سياسي؟ ولماذا بقيت الموارد عاجزة عن إنتاج اقتصاد وطني قادر على الصمود؟ ولماذا ظلت قوى يمنية عديدة بحاجة إلى وسيط أو داعم أو راعٍ خارجي لحماية مكاسبها؟

تقدم الحالة الاقتصادية والإنسانية إجابة قاسية. فاليمن لا يزال يعاني من انقسام مؤسسي واقتصادي عميق، فيما يحتاج أكثر من 21 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية في 2026، وفق تقديرات الأمم المتحدة. وهذه الأرقام تكشف أن السيطرة على الأرض، مهما كانت أهميتها العسكرية، لا تصبح انتصارًا مكتملًا إذا لم تنتج دولة قادرة على حماية المجتمع وتوفير الحد الأدنى من شروط الحياة.

الحوثيون: نجاح في تحويل القوة إلى نفوذ، أم انتصار مؤجل؟

قد يقول قائل: وماذا عن الحوثيين؟ لقد تمكنوا من تحويل السيطرة العسكرية إلى نفوذ سياسي واسع، والسيطرة على صنعاء ومؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وفرضوا أنفسهم طرفًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية.

من هذه الزاوية، يمثل الحوثيون مثالًا واضحًا على قدرة القوة العسكرية على التحول إلى وزن سياسي وتفاوضي.

لكن ذلك لا يحسم السؤال الأكبر: هل تحول هذا النفوذ إلى دولة مستقرة وشرعية سياسية وطنية جامعة؟

هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا. فامتلاك القدرة على فرض الوقائع أو تعطيل خصومك يختلف عن القدرة على إنتاج تسوية وطنية مستقرة، وبناء مؤسسات مقبولة، وإدارة اقتصاد قادر على البقاء، وصناعة دولة تستطيع العيش خارج منطق الحرب.

فالقدرة على إشعال التصعيد ليست هي القدرة على صناعة السلام، والقدرة على فرض معادلة ميدانية ليست بالضرورة القدرة على بناء معادلة وطنية مستدامة.

والمعسكر المناهض للحوثيين ليس استثناءً

المشكلة لا تتعلق بالحوثيين وحدهم. فالمعسكر المقابل يمتلك بدوره قوى عسكرية وموارد ودعمًا إقليميًا، لكنه يعاني من تعدد مراكز القرار وتضارب المشاريع والأهداف.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: قد يستطيع طرف منع خصمه من تحقيق انتصار حاسم، لكنه لا يستطيع الاتفاق مع حلفائه على شكل الانتصار الذي يريده هو نفسه.

وفي مثل هذه الحالة يصبح التعادل العسكري أحيانًا أكثر فائدة لاستمرار نفوذ القوى الخارجية من أي انتصار يمني حاسم؛ لأن استمرار الانقسام يعني استمرار الحاجة إلى الوسيط والداعم والضامن الخارجي.

المعادلة التي يصعب الهروب منها

يمكن اختصار المأزق اليمني في معادلة سياسية بسيطة:

قوة عسكرية بلا مشروع سياسي = مكسب مؤقت.

مشروع سياسي بلا قوة = مشروع قابل للابتزاز.

قوة ومشروع بلا وحدة داخلية = فرصة للانقسام.

أما القوة والمشروع والوحدة والمؤسسات، فهي بداية صناعة القرار الوطني.

وهذا هو الجانب الذي ينقص اليمن اليوم: ليس السلاح، ولا المقاتلين، ولا حتى الأوراق السياسية، وإنما القدرة على تحويل القوة المتاحة إلى قرار وطني منظم، وتحويل القرار إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة.

لماذا ينجح الآخرون في استثمار أخطائنا؟

لأن الطرف الخارجي لا يحتاج دائمًا إلى هزيمة اليمني عسكريًا إذا كان يستطيع أن يجعله يستهلك قوته سياسيًا.

قد تقدم قوة إقليمية الدعم والسلاح والمال، فيتحقق الانتصار العسكري، لكن الانتصار قد يخلق في المقابل التزامات سياسية وحسابات جديدة. وعندما يصل الطرف المدعوم إلى طاولة التفاوض، لا يحمل فقط نتائج المعركة، وإنما يحمل أيضًا مصالح الراعي وحساباته.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: من دعمك؟ بل: كم بقي لك من قرارك بعد أن انتصر الدعم؟

فالاستقلال السياسي لا يعني رفض العلاقات والتحالفات الخارجية، وإنما يعني ألا يتحول التحالف إلى وصاية، وألا يصبح الدعم الخارجي بديلًا عن المشروع الوطني.

اليمن لا يحتاج إلى انتصار عسكري جديد بقدر ما يحتاج إلى هندسة ما بعد الانتصار

المشكلة ليست في تحقيق الانتصار، وإنما في إدارته.

فالانتصار الحقيقي يبدأ في صباح اليوم التالي للمعركة: ماذا ستفعل بالأرض؟ كيف ستدير المؤسسات؟ كيف ستدمج القوات؟ كيف ستضمن الأمن؟ كيف ستوزع الموارد؟ كيف ستطمئن الخصوم؟ كيف ستتعامل مع المكونات الاجتماعية المختلفة؟ وكيف ستنتقل من شرعية البندقية إلى شرعية المؤسسة؟

والسؤال الأكثر حساسية: كيف تحافظ على علاقاتك الخارجية من دون أن يتحول الحليف إلى وصي، والداعم إلى صاحب قرار؟

إذا لم تكن هناك إجابات واضحة، فإن الانتصار العسكري قد لا يكون سوى تأجيل للهزيمة السياسية.

السؤال الذي يصعب الهروب منه

بعد أكثر من عقد من الحرب، وبعد كل الجبهات التي فُتحت وأُغلقت، والمدن التي تغيرت السيطرة عليها، والتحالفات التي تشكلت ثم انهارت، ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: هل يفشل اليمنيون في تحويل انتصاراتهم العسكرية إلى مكاسب سياسية لأنهم لا يملكون القوة الكافية، أم لأنهم لا يملكون مشروعًا وطنيًا موحدًا يجعل هذه القوة تعمل لصالح اليمن، لا لصالح مراكز النفوذ المتنافسة؟

وهناك سؤال أشد قسوة: إذا كان كل طرف يعلن أنه يقاتل من أجل اليمن، فلماذا تنتهي كثير من الانتصارات إلى زيادة نفوذ الخارج وانقسام الداخل، بدل زيادة قوة الدولة؟
هذه ليست إدانة لطرف بعينه، بقدر ما هي إدانة لنمط سياسي كامل؛ نمط يجعل اليمنيين يتقاتلون على امتلاك الدولة، بدل أن يتفقوا أولًا على شكل الدولة التي يريدون امتلاكها.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية القادمة ليست بالضرورة معركة مأرب أو تعز أو الساحل أو صنعاء... المعركة الأعمق هي: من يستطيع تحويل القوة إلى سياسة، والسياسة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى دولة، والدولة إلى قرار وطني مستقل؟

فاليمن لا يحتاج فقط إلى من ينتصر في المعركة، بل يحتاج إلى من يعرف ماذا يفعل في صباح اليوم التالي للانتصار.

وإلا ستظل المأساة تتكرر: إنتصار في الميدان… ثم يأتي الآخرون ليكتبوا شروط الانتصار.