آخر تحديث :السبت-22 أغسطس 2026-04:31م

اليمن على حافة الحرب الإقليمية: من يملك قرار التصعيد؟

السبت - 22 أغسطس 2026 - الساعة 11:16 ص

المحامي/معين اليزيدي
بقلم: المحامي/معين اليزيدي
- ارشيف الكاتب


لم يعد السؤال في اليمن: هل يمكن أن تعود الحرب؟
السؤال الأخطر أصبح: من يملك قرار إشعالها، ومن يملك قرار إيقافها؟

هذا ليس سؤالًا إعلاميًا. إنه سؤال عن السيادة والقرار الوطني وحدود النفوذ الخارجي.

فاليمن يدخل مرحلة مختلفة عن مرحلة ما بعد هدنة 2022. الأمم المتحدة حذرت في أغسطس 2026 من أن البلاد تواجه أخطر خطر للعودة إلى حرب واسعة منذ تلك الهدنة، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية وسقوط ضحايا مدنيين وتهديد الملاحة والسفن التجارية.

وفي الوقت نفسه، لم يعد التصعيد محصورًا داخل الجغرافيا اليمنية.

ففي يوليو أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه السعودية، بعد سنوات من الهدوء النسبي، ثم أعلنوا حصارًا بحريًا على السفن السعودية، بينما أعلنت الرياض استعدادها للرد بالقوة.

وفي أغسطس، استمرت الهجمات، ووصل التصعيد إلى ميناء المخا الذي أعلن تعليق عملياته التجارية والملاحية بعد تعرضه لأكثر من 25 صاروخًا خلال أيام.

وفي 20 أغسطس، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار نجران ومنشأة تابعة لأرامكو، في خطوة تؤكد أن مسار التصعيد لم يعد افتراضًا نظريًا.

هنا تحديدًا يجب أن يتوقف اليمنيون عند السؤال الكبير: كيف تحولت اليمن من بلد يبحث عن إنهاء حربه إلى ساحة يمكن أن تُستخدم لتوسيع حرب الآخرين؟


---

ليست حربًا يمنية خالصة

من الخطأ اختزال المشهد في ثنائية الحوثيين والحكومة اليمنية.

اليمن أصبح جزءًا من شبكة أمنية إقليمية متداخلة:
إيران والحوثيون من جهة، والسعودية والقوى المتحالفة معها من جهة أخرى، والولايات المتحدة والقوى البحرية الدولية في الخلفية، فضلًا عن المصالح الإماراتية والقوى اليمنية المتعددة.

وقد كشفت التطورات الأخيرة أن الصراع اليمني بات شديد الارتباط بالصراع الإقليمي.

بل إن تقارير صحفية موثوقة نقلت في يوليو أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق الطريق النفطي في البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية.

وهنا لا تكمن المشكلة في إثبات أن الحوثيين «يتلقون أوامر» من طهران؛ فهذه صياغة تبسيطية لا تكفي لفهم تعقيد العلاقة.

المسألة الأهم هي أن القرار اليمني أصبح يتحرك داخل بيئة استراتيجية إقليمية تتجاوز حدود اليمن.

وهذا هو جوهر أزمة السيادة.


الحوثيون يملكون مفتاح التصعيد… لكنهم ليسوا اللاعب الوحيد

لا يمكن تجاهل الحقيقة الأساسية:

الحوثيون يملكون القدرة العسكرية على فتح جبهات جديدة، واستهداف السعودية، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي يملكون جزءًا أساسيًا من قرار التصعيد.

لكن امتلاك القدرة على إطلاق النار لا يعني امتلاك القرار الكامل للحرب.

فالجماعة تتحرك ضمن حسابات يمنية وإقليمية في الوقت نفسه، وتحاول استخدام الجغرافيا اليمنية وموقع باب المندب كأدوات ضغط في صراع أكبر.

وهنا يصبح السؤال:

هل تُستخدم القضية اليمنية لخدمة مشروع يمني، أم تُستخدم الجغرافيا اليمنية كأداة في صراع إقليمي؟

السؤال لا يستهدف طرفًا واحدًا.

بل يجب أن يُطرح على الجميع.


---

والسعودية أيضًا أمام قرار لا يمكن تأجيله

السعودية تجد نفسها أمام معادلة صعبة.

فمن جهة، لا تستطيع تجاهل استهداف أراضيها ومنشآتها ومصالحها.

ومن جهة أخرى، تعرف الرياض جيدًا تكلفة العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن.

ولهذا اتجهت إلى بناء تحالفات دفاعية إقليمية لتعزيز الردع، بينما وصفت رويترز السعودية بأنها تُسحب بصورة متزايدة إلى حرب لم تخترها.

لكن المشكلة أن الردع إذا لم يكن مصحوبًا بمسار سياسي قد يتحول إلى دورة تصعيد.

هجوم يولد ردًا.

والرد يولد ردًا آخر.

ثم تصبح كل ضربة جديدة اختبارًا للهيبة، لا مجرد عملية عسكرية.

وعندما تصبح الهيبة جزءًا من القرار العسكري، يصبح التراجع أصعب.


الأخطر: أن الدولة اليمنية ليست صاحبة القرار الوحيد

وهنا نصل إلى جوهر المأزق.

اليمن هو البلد الذي تُخاض الحرب فوق أرضه، لكن اليمنيين لا يحتكرون أدوات الحرب والسلام.

الحكومة المعترف بها دوليًا تمتلك الشرعية الدولية، لكنها لا تمتلك وحدها كل أدوات القوة العسكرية على الأرض.

والقوى المناهضة للحوثيين ليست كتلة سياسية واحدة، بل شبكة من القوى والمصالح والمشاريع.

والحوثيون يسيطرون على جزء كبير من البلاد، بينما تتحرك القوى المحلية الأخرى وفق حسابات مختلفة، بعضها مرتبط مباشرة أو بصورة غير مباشرة بداعمين إقليميين.

وبذلك أصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد:

حكومة ضد الحوثيين.

المعادلة الفعلية هي:

قوى يمنية + رعاة إقليميون + مصالح دولية + ممرات بحرية + أمن الطاقة + صراع إقليمي مفتوح.

وهنا تضيع أهم قطعة في المعادلة:

أين القرار الوطني اليمني؟


---

باب المندب: عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح

باب المندب ليس مجرد مضيق يمني.

إنه أحد مفاتيح حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

ولهذا فإن تهديد الملاحة فيه لا يبقى شأنًا يمنيًا.

الأمم المتحدة أعادت التأكيد على خطورة تهديد حرية الملاحة، فيما حذر مجلس الأمن من أن الهجمات الحوثية على السعودية والسفن التجارية تهدد السلام والاستقرار الإقليميين.

وهذا يعني أن أي تصعيد واسع في اليمن يمكن أن يتحول بسرعة إلى ملف دولي.

وهنا المفارقة:

كلما استخدمت الأطراف الموقع الجغرافي لليمن كورقة ضغط، زادت أهمية اليمن بالنسبة للخارج، لكن تراجعت قدرة اليمنيين على التحكم بمصيرهم.

إنها معادلة عكسية خطيرة:

كلما ارتفعت القيمة الجيوسياسية لليمن، انخفضت قيمة قراره الوطني إذا ظل القرار موزعًا بين مراكز خارجية وداخلية متعددة.


الحرب الإقليمية لا تحتاج إلى قرار واحد

وهذه ربما أخطر حقيقة في المشهد كله.

الحرب الكبرى ليست بالضرورة حرباً يقررها طرف واحد في غرفة مغلقة.

قد تبدأ من سلسلة قرارات صغيرة:
ضربة هنا. رد هناك. تهديد جديد.استهداف منشأة. إغلاق ممر بحري. سفينة تتعرض للهجوم؛ ضربة انتقامية ؛ ثم يدخل طرف ثالث، ثم يصبح التراجع أكثر كلفة من الاستمرار.

وهكذا لا تبدأ الحرب لأن الجميع أرادها، وإنما لأن لا أحد استطاع إيقاف مسارها في الوقت المناسب.

وهذا بالضبط ما يجعل الوضع الحالي أخطر من مجرد تصعيد عسكري.


السؤال الذي يجب أن يزعج الجميع

ليس المطلوب من اليمنيين أن يختاروا بين طهران والرياض.

ولا بين واشنطن وأبوظبي.

ولا بين الحوثيين وخصومهم.

السؤال الحقيقي أعمق من ذلك وهو:
> من يملك القرار النهائي عندما تتعارض مصلحة اليمن مع حسابات القوة الإقليمية التي تدعم هذا الطرف أو ذاك؟

إذا كان الحوثيون يقولون إنهم يتحركون دفاعًا عن مصالح اليمن وفلسطين، فمن يقرر متى يصبح التصعيد خطرًا على اليمن نفسه؟

وإذا كانت الحكومة اليمنية تقول إنها تمثل الشرعية والسيادة، فهل تملك وحدها قرار الحرب والسلام؟

وإذا كانت السعودية تريد حماية أمنها، فمن يضمن ألا تتحول الأراضي اليمنية مرة أخرى إلى ساحة حرب مفتوحة؟

وإذا كانت إيران تستخدم حلفاءها الإقليميين للضغط في صراعها مع خصومها، فأين تنتهي المصلحة الإيرانية وتبدأ المصلحة اليمنية؟

وإذا كانت القوى الدولية تريد حماية الملاحة، فهل تستطيع حماية الملاحة دون أن تجعل اليمن ساحة جديدة للمواجهة؟

هذه ليست أسئلة بلاغية. إنها أسئلة السيادة نفسها.


*اليمن أمام لحظة الحقيقة*

اليمن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما تقريبًا:
إما أن يتحول التصعيد الحالي إلى رافعة تفاوضية تقود إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة،
وإما أن يتحول إلى بوابة لحرب إقليمية تُستخدم فيها اليمن كمنصة صواريخ وممرات بحرية وساحة تصفية حسابات.

والفارق بين السيناريوهين ليس كبيرًا كما يعتقد البعض.

قد يكون الفارق ضربة واحدة، أو سوء تقدير واحد، أو قرارًا عسكريًا واحدًا لا يستطيع صاحبه التراجع عنه.

لذلك فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو التعامل مع المشهد باعتباره مجرد جولة أخرى من جولات الحرب اليمنية.

هذه المرة، البيئة مختلفة.
إيران في مواجهة إقليمية مفتوحة.
الممرات البحرية تحت الضغط.
السعودية تعيد بناء منظومة ردع إقليمية.
الحوثيون يصعّدون خارج الحدود اليمنية.

والأمم المتحدة نفسها تتحدث عن خطر العودة إلى حرب واسعة.

لذلك لم يعد السؤال:

من سينتصر في الحرب القادمة؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحرب هو:
> من يملك اليوم قرار أن يقول: كفى؟

فإذا لم يكن هناك طرف يملك هذا القرار، فإن الخطر الحقيقي ليس أن يقرر أحد إشعال الحرب.

الخطر أن تبدأ الحرب بينما الجميع يعتقد أنه ما زال قادرًا على السيطرة عليها.
وهنا تكون الكارثة قد بدأت بالفعل.

اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الوكلاء الذين يجيدون إطلاق النار، بل إلى أصحاب قرار يستطيعون منع الآخرين من إطلاقه.

والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام الجميع:
> هل ما يزال اليمن بلدًا يصنع قراره، أم أصبح مجرد جغرافيا تُستخدم لتنفيذ قرارات تُصنع في عواصم أخرى؟


*هذا هو السؤال الذي يصعب الهروب منه.*