آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-09:28م

هذا هو الحل لانهاء أزمة الكهرباء وتدهور العملة في اليمن!

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 09:21 م

عبدالناصر قايد
بقلم: عبدالناصر قايد
- ارشيف الكاتب


المصفاة التجميعية في عدن.. هل تكون الحل اليمني لإنهاء أزمة الكهرباء وكبح تدهور العملة؟

تعيش العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة أزمة كهرباء مزمنة تحولت إلى معاناة يومية تثقل كاهل المواطنين، وفي كل مرة يتكرر المشهد ذاته: نفاد الوقود، توقف محطات التوليد، ساعات طويلة من الانطفاءات، ثم البحث عن حلول إسعافية لا تعالج أصل المشكلة.

وخلال السنوات الماضية، شكّلت المنح الوقودية المقدمة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة طوق نجاة ساهم في استمرار تشغيل محطات الكهرباء خلال فترات عديدة، إلا أن طبيعة هذه المنح تجعلها حلولاً مؤقتة، تنتهي بانتهاء الكميات الموردة، لتعود الدولة مجدداً إلى استيراد الوقود عبر مناقصات مكلفة تستنزف احتياطاتها من النقد الأجنبي وتزيد الضغوط على سعر صرف الريال اليمني.

وسط هذه الدائرة المتكررة، يبرز سؤال مشروع: هل يمتلك اليمن خياراً عملياً ومستداماً للخروج من الأزمة؟

قد تكون الإجابة في تبني مشروع المصافي التجميعية (Modular Refineries)، وهي وحدات تكرير صغيرة أو متوسطة السعة تُصنع مسبقاً وتُركب خلال فترة زمنية أقصر بكثير من المصافي التقليدية، مع تكلفة استثمارية أقل ومرونة تشغيلية أعلى.

وليس هذا المفهوم جديداً؛ فقد لجأت إليه عدة دول تمتلك موارد نفطية لتعويض تعثر أو تضرر منشآتها الكبرى. ففي العراق أُنشئت مصافٍ صغيرة ومتوسطة في عدد من المحافظات لتعزيز إنتاج المشتقات النفطية، بينما اعتمدت نيجيريا على التوسع في المصافي المعيارية لتقليص الاعتماد على الاستيراد وزيادة الإنتاج المحلي. كما اتجهت دول أخرى، مثل أنغولا وإندونيسيا، إلى حلول مماثلة لتلبية احتياجاتها المحلية بصورة أسرع.

وبالنسبة لعدن، يمكن أن يمثل إنشاء مصفاة تجميعية بسعة تتراوح بين 20 و30 ألف برميل يومياً داخل منشآت مصفاة عدن في البريقة خياراً يستحق الدراسة بجدية. فالموقع يمتلك بالفعل بنية تحتية مهمة، تشمل ميناء الزيت والخزانات وشبكات الأنابيب، وهو ما قد يخفض تكلفة المشروع مقارنة بإنشاء منشأة جديدة بالكامل.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن تكلفة مثل هذه المشاريع قد تتراوح بين 60 و100 مليون دولار بحسب التقنية المستخدمة ومكونات المشروع، وهي تكلفة قد تكون أقل بكثير من مشاريع إعادة بناء أو تحديث مصفاة تقليدية متكاملة.

ويتمتع النفط اليمني، ولا سيما الخام المنتج من بعض حقول شبوة وحضرموت، بمواصفات جيدة من حيث انخفاض نسبة الكبريت وخفة الخام، وهي خصائص قد تجعله مناسباً لتغذية عدد من المصافي المعيارية، مع مراعاة التصميم الفني لكل مشروع.

وفي حال نجاح تنفيذ المشروع وتشغيله وفق الدراسات الفنية والاقتصادية المناسبة، فإنه قد يحقق جملة من المكاسب، أبرزها:

- تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على استيراد الوقود.
- توفير احتياجات محطات الكهرباء من المشتقات النفطية بصورة أكثر استقراراً.
- خفض الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وتقليل فاتورة الاستيراد.
- توفير فرص عمل وتنشيط قطاع النفط والخدمات اللوجستية في عدن.
- دعم استقرار سعر صرف الريال اليمني عبر تقليل الطلب على الدولار لاستيراد الوقود.

ومع ذلك، فإن نجاح المشروع يتطلب توافر عدد من المتطلبات الأساسية، في مقدمتها تأمين إمدادات الخام بصورة منتظمة، وتوفير التمويل، وضمان بيئة تشغيل مستقرة، إضافة إلى إجراء دراسات جدوى فنية واقتصادية دقيقة قبل الشروع في التنفيذ.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن المصافي التجميعية ليست بديلاً كاملاً عن المصافي الكبرى، لكنها تمثل حلاً عملياً وسريعاً في الظروف الاستثنائية، خاصة للدول التي تمتلك النفط الخام وتعاني نقصاً في قدرات التكرير.

اليوم، تبدو الكرة في ملعب الحكومة ووزارة النفط والسلطات المحلية لدراسة هذا الخيار بجدية، بعيداً عن الحلول الإسعافية قصيرة الأجل. فامتلاك قدرة وطنية على تكرير النفط محلياً لا يعني فقط تحسين خدمة الكهرباء، بل يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج.

وربما آن الأوان لأن تتحول الثروة النفطية اليمنية من مورد معطل إلى ركيزة حقيقية لاستقرار الكهرباء والاقتصاد، عبر قرار جريء ورؤية استراتيجية تستثمر الإمكانات الوطنية لخدمة المواطن والدولة.