آخر تحديث :الأحد-24 مايو 2026-10:28م

الطب وهزيمة الشياطين

الأحد - 24 مايو 2026 - الساعة 02:36 م

خالد منتصر
بقلم: خالد منتصر
- ارشيف الكاتب


كلما استمعت إلى دجال يخرج على الناس بضلالات وهلاوس بعيدة عن العلم والطب، ويقتنع به المجتمع ويخرجون وراءه وكأنهم مغيبون، أتذكر الطبيب الفرنسي جاك ديسبارس، ففي القرن السادس عشر، كان المرض بالنسبة لكثيرين لعنة سماوية، أو عقاباً إلهياً، أو نتيجة مباشرة لمس الشياطين للأجساد البشرية. وكانت الكنيسة الأوروبية تملك سلطة تفسير الألم والموت، بينما كان الكهنة والرهبان يمارسون طقوس «طرد الأرواح الشريرة» أكثر مما يمارس الأطباء التشخيص والعلاج، وسط هذا الظلام ظهر طبيب فرنسي متمرد اسمه جاك ديسبارس، ليخوض واحدة من أشرس المعارك الفكرية ضد تفسير المرض بالخرافة، كان ديسبارس طبيباً تشريحياً متأثراً بروح عصر النهضة، يؤمن بأن الجسد البشري ليس ساحة للشياطين بل نظام عضوي تحكمه أسباب طبيعية يمكن فهمها ودراستها.

وفي زمن كانت فيه نوبات الصرع تُفسَّر على أنها «مس شيطاني»، والاضطرابات النفسية تُعتبر دليلاً على حلول الأرواح الشريرة، حاول الرجل أن يقدم تفسيراً طبياً قائماً على الملاحظة والخبرة السريرية، أخطر ما فعله ديسبارس أنه لم يكتفِ بالعلاج، بل هاجم علناً فكرة أن الكهنة يملكون مفاتيح الشفاء. رأى أن بعض الطقوس الدينية كانت تؤدي إلى تأخير العلاج الحقيقي، وأن المرضى يموتون لأن الناس يهرعون إلى التعويذات والبخور بدل اللجوء إلى الطب، بالنسبة للمؤسسة الدينية، لم يكن هذا مجرد خلاف علمي، بل تهديد مباشر لنفوذها الروحي والاجتماعي، وقال وصرخ في وجه المجتمع المغيب آنذاك: «لم أرَ في حياتي مرضاً احتاج إلى شيطان كي أفسره».

ومعنى العبارة كان ثورياً في زمنه، فهو يقول عملياً إن كل مرض مهما بدا غامضاً أو مرعباً له سبب طبيعي داخل الجسد أو البيئة، وليس نتيجة أرواح شريرة أو غضب إلهي. هذه الجملة كانت بمثابة صفعة ثقافية لعصرٍ كان الناس فيه يفسرون الصرع بالمس، والهلوسة بالشياطين، والطاعون بالعقاب الإلهي، الفكرة نفسها امتداد لخط فكري بدأ مع هيبقراط حين رفض اعتبار الصرع «مرضاً مقدساً»، ثم تطور مع أطباء عصر النهضة الذين انتزعوا الجسد من قبضة الكهنة والسحرة وأعادوه إلى مختبر الملاحظة والتشريح، وربما تكمن قوة العبارة في بساطتها؛ فهي لا تنكر الدين، لكنها ترفض استخدام الغيب كبديل للمعرفة.

وكأن ديسبارس يقول: كلما عجزنا عن الفهم اخترعنا شيطاناً… لكن وظيفة الطب هي أن يقتل الشيطان بالمعرفة، لا بالتعاويذ، اتهمه حينها بعض رجال الدين بالإلحاد والتجديف، واعتبروا تفسيره المادي للأمراض إنكاراً للعالم الغيبي، لكن ديسبارس كان يرد بسؤال بسيط ومدمر: إذا كانت الشياطين سبب الأمراض، فلماذا تنتشر الأوبئة في الأديرة والكنائس أيضاً؟ ولماذا ينجو بعض الخطاة بينما يموت أتقى الرهبان؟ كانت معركته جزءاً من التحول التاريخي الهائل الذي انتزع الطب من يد الكهنة ووضعه في يد العلماء والأطباء.

فقبل الطب الحديث، كان الإنسان يموت من التهابات بسيطة، أو نوبات صرع، أو اضطرابات نفسية يُعامل أصحابها كمسكونين بالشياطين. أما بعد صعود المنهج العلمي، بدأت الأمراض تُفهم باعتبارها خللاً بيولوجياً أو عدوى أو اضطراباً عصبياً، لا حرباً خفية بين الملائكة والجن، ورغم أن اسم ديسبارس ليس مشهوراً مثل أندرياس فيزاليوس أو لويس باستور، فإن معركته كانت جزءاً من الثورة الكبرى التي حررت الجسد البشري من التفسير السحري.

لقد ساهم مع غيره في نقل البشرية من عصر «اطردوا الشيطان» إلى عصر «ابحثوا عن السبب»، وبين الجملتين، وُلد الطب الحديث.

نقلاً عن "الوطن"