آخر تحديث :الجمعة-06 مارس 2026-12:42ص

حرب المضائق.. هل تعيد الجغرافيا تصحيح مسار الاقتصاد البحري؟

الخميس - 05 مارس 2026 - الساعة 10:02 م

عبدالله الشرفي
بقلم: عبدالله الشرفي
- ارشيف الكاتب


في أوقات الاستقرار تُقاس قوة الموانئ بحجم استثماراتها وبنيتها التحتية، لكن في لحظات الأزمات تُعاد صياغة المعادلة بالكامل، حيث لا يبقى العامل الحاسم سوى الجغرافيا. فالتجارة العالمية، عندما تضطرب الممرات البحرية، لا تبحث عن الأكثر تطوراً بقدر ما تبحث عن الأكثر أماناً واستقراراً.

التطورات التي تشهدها المنطقة اليوم، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة الدولية وتزايد المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة، أعادت تسليط الضوء على حقيقة طالما جرى تجاهلها في النقاش اللوجستي الإقليمي: أن الموقع الجغرافي يظل العامل الأكثر ثباتاً في معادلة التنافس البحري.

وقبل هذه الأحداث، قدّم الدكتور محمد علوي أمزربه قراءة تحليلية لافتة في مقاله المعنون "ميناء عدن وجبل علي: قراءة في الجغرافيا السياسية والاقتصادية.. هل يخشى النموذج استعادة الأصل لمكانته؟"، ركّز فيها على التفريق بين ما أسماه "الموقع الفطري" و"المنظومة المشيدة"، مؤكداً أن الجغرافيا البحرية قادرة على استعادة تأثيرها متى ما تعرضت المنظومات السياسية والأمنية للاهتزاز.

المقال لم ينطلق من سياق حرب أو أزمة بعينها، لكنه أشار بوضوح إلى أن وقوع ميناء عدن خارج نقاط الاختناق الجيوسياسية يمنحه ميزة استراتيجية كامنة، تجعله خياراً أكثر أماناً لسلاسل الإمداد العالمية عند اضطراب الممرات البحرية. واليوم، ومع ارتفاع كلفة التأمين وتزايد المخاطر التشغيلية في بعض المسارات، تبدو تلك القراءة أقرب إلى توصيف استشرافي لواقع يتشكل أمام العالم.

فالتحولات الجارية تكشف أن التجارة الدولية تعود، في أوقات التوتر، إلى قواعدها الأساسية: تقليل المسافة، خفض المخاطر، وتأمين استمرارية التدفق التجاري. وفي هذه اللحظة تحديداً تستعيد الموانئ ذات الامتياز الجغرافي الطبيعي أهميتها التاريخية، لأن الجغرافيا — بخلاف التحالفات والسياسات — لا تتغير.

الدرس الاستراتيجي الذي تفرضه التطورات الحالية يتمثل في أن التنافس بين الموانئ لا يُحسم دائماً بحجم الأرصفة أو التقنيات، بل بقدرة الموقع على توفير الأمان الجيوسياسي والكفاءة الملاحية في آن واحد. وعندما تهتز الممرات الضيقة، تتحول المواقع الواقعة خارج مناطق الاختناق إلى بدائل طبيعية تفرض نفسها على خريطة التجارة العالمية.

وعليه، فإن ما نشهده اليوم لا يمثل مجرد تداعيات ظرفية، بل لحظة إعادة توازن في معادلة الاقتصاد البحري، تعيد الاعتبار لدور الجغرافيا كعامل حاسم في تحديد مراكز الثقل اللوجستي. وفي هذا السياق، يعود ميناء عدن إلى دائرة النقاش الاستراتيجي، ليس كمنافس طارئ، بل كخيار تفرضه معادلات الأمن الاقتصادي العالمي كلما دخلت المنطقة مرحلة اضطراب.

إن الأزمات، في النهاية، لا تصنع حقائق جديدة بقدر ما تكشف الحقائق التي كانت قائمة منذ البداية… لكنها كانت تنتظر اللحظة التي تثبت فيها الجغرافيا كلمتها الأخيرة.