آخر تحديث :الإثنين-15 يوليه 2024-02:49م

من المسؤول؟

الجمعة - 05 يوليه 2024 - الساعة 02:12 م

احمد الصراف
بقلم: احمد الصراف
- ارشيف الكاتب



من الإجراءات التي تلجأ إليها الأجهزة الحكومية، لامتصاص نقمة وغضب الرأي العام، عند وقوع حادث مأساوي، هو صب غضبها على أضعف الحلقات، وهذا ما حدث بالضبط بعد وقوع مأساة حريق بناية المنقف، حيث قامت مختلف الأجهزة الحكومية، التي كان إهمال بعضها سبباً في وقوع الحادث الأليم، بإخراج آلاف العمال من الشقق السكنية، ورميهم مع ملابسهم وفرشهم، وبسيط ممتلكاتهم، في الشارع، في درجة حرارة تبلغ الخمسين، فهل من منطق في هذا التصرف؟
يجب البحث في جذور المشكلة، والتساؤل عن سبب وفاة خمسين شخصاً مسكيناً حرقاً، وما يزيد عنهم من المصابين، في دولة بها كل هذه الأجهزة الرقابية والسلطات الواسعة والقوة؟

الجواب يكمن في الفساد من جهة، وفي عدم رغبة بعض المراقبين في العمل، وفي قصور القوانين والإجراءات الحكومية. فقد بينّا في أكثر من مقال أن ترسية أية مناقصة طبقاً لنظام أرخص الأسعار، لا يعني أبداً ترك المنطق والعقل وكل الحقائق والمعطيات جانباً، والإصرار على الترسية، لأن قوانين لجنة المناقصات تقول ذلك. فعندما تطلب وزارة ما، أو شركة النفط أو البلدية من المقاول توفير ألف عامل لمشروع ما، فإن اللجنة تختار أقل العروض تكلفة على الدولة. لكن لو قامت أية جهة بالتدقيق في تفاصيل المناقصة، لوجدت أن من المستحيل على التاجر/ المقاول أو المناقص الالتزام بشروط المناقصة. فالعقد يحدد بدقة الحد الأدنى للراتب «الذي يجب» أن يتلقاه العامل، وكيف يحول لحسابه، وشروط سكنه ووجبات طعامه، ونوعية رداء عمله، ووسيلة انتقاله من وإلى عمله، وغير ذلك من رسوم تأمين على حياته، ورسوم إقامة وفحص طبي وتذاكر سفر، وغيرها. ومن خلال جمع ما سيتكلفه المقاول على توريد عمالته، حتى قبل إضافة أرباحه، نجد أنه يقل بكثير عن المبلغ الذي سيتلقاه من العقد! ومع هذا تصر لجنة المناقصات على الترسية، وهي تعلم، وسبق أن بينّا لها ذلك كتابياً، استحالة تمكّن مقاول المشروع من تغطية كل التكاليف وتحقيق ربح بسيط في نهاية الأمر. فهو وكل الجهات المعنية تعلم يقينا أنه سيضطر للتلاعب في متطلبات المناقصة، سواء من خلال دفع رواتب أقل، أو عدم التقيد بشروط المسكن والمأكل، وغير ذلك من مخالفات لشروط العقد! وبالتالي نرى أن الأجهزة الحكومية تريد تنفيذ مشاريعها بأقل تكلفة ممكنة، ولا تضع، عمداً أو جهلاً، حساباً للحد الأدنى من حقوق هؤلاء العمال المساكين، وهي شريك في جريمة تعلم علم اليقين أنها ستقع، شاءت أم أبت!

وبالتالي يتطلب الأمر إجراء تغييرات جوهرية على قانون المناقصات، وبالذات في البند المتعلق بضرورة الترسية على أقل الأسعار، خاصة عندما يكون سعر المقاول أقل بكثير من مبلغ الوزارة التقديري للعقد!

كما يجب مراقبة تنفيذ المقاول لشروط العقد، فيما يتعلق بظروف سكن العامل ونوعية طعامه، مع حفظ حقوقه في تلقي كامل الراتب المتفق عليه، وأن تقوم هيئة العمالة بوضع الحد الأدنى للرواتب، أسوة بالدول الأخرى!

التحرّك السريع ضروري قبل وقوع كوارث أخرى.

نقلا عن القبس